أبي منصور الماتريدي
145
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
وقوله : آخِذٌ بِناصِيَتِها أي : في ملكه وسلطانه ، يقال : فلان آخذ بحلقوم فلان ، وفلان في قبضة فلان ليس أنه في قبضته بنفسه أو آخذ بحلقوم فلان ، ولكن يراد أنه في سلطانه وفي ملكه « 1 » وفي قبضته . إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ أي : على الذي أمرني ربي ودعاني إليه ، أو يكون قوله : إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ أي : أن الذي أمرني ربي ودعاني إليه هو صراط مستقيم ؛ كقوله : إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ [ الفجر : 14 ] . وقال أبو عوسجة : الاعتراء هو الأخذ ، يقال : اعترته الحمى أي أخذته . وقال القتبي « 2 » : الاعتراء [ هو ] « 3 » الإصابة ، بقول : إلا اعتراك : أصابك ، يقال : اعتريت : أصبت ، وهو ما ذكرنا . وقوله - عزّ وجل - : فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ : يحتمل على الإضمار أي : فإن تولوا عن إجابتك وطاعتك فقل قد أبلغتكم [ رسالات ربى ] « 4 » ؛ لأن قوله : تَوَلَّوْا إنما هو خبر . وقوله - عزّ وجل - : أَبْلَغْتُكُمْ : خطاب ، وأمكن أن يكونا جميعا على الخطاب ، يقول : فإن توليتم عن إجابتي فيما أدعوكم إليه ، فقد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم وليس على إلا تبليغ الرسالة إليكم ؛ كقوله : ما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ [ المائدة : 99 ] ؛ وكقوله : إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ [ النحل : 82 ] ، يقول : إنما على إبلاغ الرسالة « 5 » إليكم ، ليس على جرم توليكم عن إجابتي ؛ كقوله : فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْهِ ما حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ ما حُمِّلْتُمْ [ النور : 54 ] ونحوه ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْماً غَيْرَكُمْ [ فيه وجهان : أحدهما : يخبر عن هلاكهم ؛ لأنه أخبر أنه يستخلف قوما غيرهم ؛ لأنه ما لم يهلك هؤلاء لا يكون غيرهم خلفهم ] « 6 » : لأنهم كانوا يقولون : مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً [ فصلت : 15 ] ، يقول - والله أعلم - : إن قوة أبدانكم وبطشكم لا تعجز الله عن إهلاككم ، وفيه أن عادا ليسوا هم النهاية في العالم ، بل يكون بعدهم قوم غيرهم ، والله أعلم .
--> ( 1 ) في ب : وملكه . ( 2 ) ينظر : غريب القرآن لابن قتيبة ( 204 ) . ( 3 ) سقط في ب . ( 4 ) في ب : رسالاتي . ( 5 ) في ب : رسالته . ( 6 ) ما بين المعقوفين سقط في أ .